تحدثت من قبل في هذا ولكن هذه المرة ــ وبعد سنوات قليلة من طرحه هنا ــ تخطى الأمر مجرد كونه إتجاه فكري معيّن وحالة ما من التعصب يمكن فهمها وقبولها ومناقشتها بشكل أو بآخر ، إلى حالة عامة متفشّية في مجتمعاتنا وأسمحوا لي أن أصفها بالحالة المرضيّة .
أتحدث عن الهوس الديني .. وإن شئنا الدقة في اختيار تعبير مناسب ربما نقول : الهوس الجاهلي بالدين ... حيث أصبح الحديث عن أي أمر يتعلق برجال الدين بمثابة تعدي على الدين نفسه وهذه كارثة حقيقية إن نظرنا له بشكل مادي بحت .. وشرك بالله لو نظرنا لها من مفهوم ديني أساسا .. ومرض نفسي لو تحدثنا عنه طبيّا .
رجل الدين ليس هو الدين .. وليس هو من جاء بالدين للناس .. رجل الدين ما هو إلا شخص درس علوم الدين إما ليفتي الناس في أمورها وإما للدعوة وإما ليكون أستاذا يعلم الآخرين علوم الدين .. وبين رجال الدين وبعضهم اختلاف حول أمور كثيرة وهذا الاختلاف معناه ببساطة أن يكون منهم على خطأ بالضرورة لأنه من المستحيل أن تكون كل الآراء صحيحة في ذات الوقت ، وهذا ليس عيبا أبدا أن تخطيء وتصوّب ما اخطأت فيه بالإجتهاد .
رجل الدين ليس إله ولا نبي .. رجل الدين ليس معصوما أبدا .. وهو مثل الطبيب والمهندس والسباك والنجار .. فرد من المجتمع له دوره المهم والمحترم والذي يستحق التقدير وليس فوق المجتمع ولا فوق القانون ولا فوق النقض ولا فوق الاختلاف معه .
مالي حرام وعملي حرام .. وداخل النار من الآخر .. بارك الله فيك يا شيخ
ولكن مجتمعنا لا ينظر له هكذا .. بل يراه كائن سماوي مبجّل ومقدس ومعصوم من الخطأ ولا يجوز مطلقا أن تعارضه لأنك لست في مقدار علمه الواسع .. العلم الذي يتيح له قول أي شيء وكل شيء دون أن يجرؤ أي كلب على أن يفتح فمه بكلمة واحدة عاقلة .. حتى وإن كان سؤالا .. لأن السؤال يفتح باب الجدال ومن المفترض أن رجل الدين الجليل لا يجادل السفهاء .
يقول لك ضع رأسك في المرحاض فتضعها فورا دون مناقشة ودون حتى استفسار عن ذا الطلب الغريب والشاذ فرجل الدين لا يخطيء أبدا ولا يمرض ولا يجن ولا يصاب بالخبال .
حينما ظهر علينا المواطن \ محمد حسّان بفتوى عبقرية تتيح لأي شخص أن ينقّب أسفل منزله للبحث عن الآثار ثم طمسها ثم بيعها حلالاً بلالاً، هتف له دراويشه : بارك الله فيك يا شيخنا العظيم .. وحينما ظهر في اليوم التالي ينفي تماما ما قاله جملة وموضوعا ويكذّب فتواه رغم أنها مسجلة صوتا وصورة في بجاحة فريدة من نوعها وكذب بيّن هتف المدّحاون أيضا : بارك الله فيك يا شيخ وأحسنت قولا . لم يجرؤ احد ان يقول أنه كاذب فالشيخ الجليل لا يكذب أبدا. والمشكلة لم تكن أبدا في التراجع عن فتواه فهذا حق مشروع له بالرغم من خطورة إصدار فتوى دون التأكد منها .. ولكن المشكلة في الكذب .
ماهو يا الناس اتجننت يا أنا اللي مش طبيعي !
وحينما قمت بعمل مونتاج يجمع بين قول الشيخ الأول وقوله الثاني ليرد على نفسه ويكذّب نفسه بنفسه قالوا لي : الشيخ أحل طمس الآثار وليس تحطيمها !!! لا يا شيخ ؟؟؟ طمسها وليس تحطيمها .. هناك فرق بالطبع .. أحل مثلا ثقبها وليس خرمها .. عجبنها وليس دعكها .. كسرها وليس تحطيمها ، فحتها وليس حفرها
.
فتوى كهذه كافية لهدم تراث شعب بأكمله وبيعه على الرصيف .. الحضارة الفرعونية لم يتبق منها سوى الفن والمعمار وما كتب عنها كتب التاريخ .. يريد الشيخ ببساطة بيع كل هذا .. لا .. بل طمسه أولا قبل بيعه طالما وجدته في أرضك وهو ملكك . بمعنى انني لو عثرت على مومياء الاسكندر الأكبر تحت بيتي فهي من حقي أفعل بها ما أشاء وليست من حق البشرية كلها . من حقي بيع عظام الاسكندر مثلا لطلبة كلية الطب "بتلتوميت جنيه" . أو بيع التابوت بالكيلو في ميدان العتبة .. أو حتى أستخدم المومياء كحطب وشي أكواز الذرة عليها .
ليس هي الفتوى الأولى من هذا النوع وليست هذه قضيتي الأساسية
القضية أنني أصبحت ممنوعا من نقد أي شخص بلحية في أي مقال أو كاريكاتير .. فقد أصبحت اللحية نوع من العصمة والحصانة الدينية تتيح لصاحبها وفقا لطولها أن يتحكم في عقول البشر الذين تحولوا إلى روبوتات بالريموت كونترول يمكن توجيهها عن بعد لفعل أي شيء يخطر على بالك طالما أظهرت لهم لحيتك .. أصبحت اللحية مثلا علامة ممنوع الاقتراب أو التصوير .. أصبحت اللحية فوق حرية التعبير المشروعة . فإن صاحبها مبعوث الإله وليس بشرا عاديا وليس مواطنا عاديا ولا يطبق عليه ما يطبق على سائر البشر .
في أحد التعليقات على خبر فتوى المواطن محمد حسّان يقول المعلّق : والله يا شيخ لو أمرتنا بتحكيم الآثار لحطمناها كلها ولم نبق على أثر واحد في مصر
ويقول آخر : أنت أحب إلي من أمي وأبي
ويقول ثالث بالحرف الواحد : أشهد انك أشرف الخلق بعد سيدنا محمد والصحابة
نحن أمام غزو فضائي وليس مجرد حالة ما من التعصّب .. الفضائيين يستحوزون على أجساد المصريين ويسيطرون على عقولهم .. لانه ببساطة شديدة جدا فإن هذا الكلام يتعارض مع الدين الاسلامي نفسه .. يتعارض مع موقف سيدنا أبي بكر الصديق حبنما قال : أيها الناس، فإني وليت عليكم و لست بخيركم .. فإن أحسنت فاعينوني وإن أسأت فقوموني ويتعارض مع الحديث الشريف :
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، :
(لا تـكــونـوا إمَّـعــة، تـقــولـون: إن أحســن الـنــاس أحـســنـّا، وإن ظـلــمـوا ظـلــمـنـا، ولـكــن وطـنــوا أنـفــسـكـم، إن أحـســن الـنــاس، أن تـحــسـنـوا، وإن أســاؤوا فـلا تـظــلـمـوا) رواه الترمذي
سيدنا أبو بكر شخصيا يقول إن أسأت فقوموني !
والكلام عن الإمعة هذا كلام رسول الله وليس كلامي .. ولكن يبدو أن المواطن محمد حسّان يتمتع بميزة خاصة تجعله فوق الأنبياء والمرسلين
الشعبية التي اصبح يتمتع بها المواطن محمد حسّان لدى الناس والتي جعلته يتكسّب من جهلهم ملايين الجنيهات تمثل خطرا حقيقيا على النخبة العاقلة الباقية ( ولا أدعي أنني منهم ) وهي النخبة التي تمثل الأمل الوحيد في صلاح هذه الأمة التي ماتت وتعفّنت فلم يبق لها سوى التعصب الديني وراء مشايخ مرتزقة .
حينما تجد نفسك مثلا متهما بالجهل والتخلف والإلحاد أمام شخص غبي أحمق لا فرق عنده بين سيمفونية لبيتهوفن وصوت ظراطه لمجرد أنه بلحية وأنت لا .. أي شخص .. فقط له لحية .. وتجد من يقول لك : هل أنت في مثل علمه كي تعارضه وتتطاول عليه يا كلب ؟
الجهل شيء ولكن العناد في الجهل بهذه الطريقة شيء آخر تماما
لو كنت في مثل علمه ــ حتى وإن كنت كلبا ــ لكان من المستحيل أن أفتى الناس بالرضاعة من أثداء زميلات العمل .. ولم أكن لأفتى بطمس وتحطيم وبيع وتجارة حضارة مصر وتراثها .. ولم أكن لأنادي بختان الإناث باعتباره فرض واجب على كل مسلم أن يختن ابنته .. ولم أكن لأحرم الفنون جميعا شكلا وموضوعا .. ولم أكن لأنادي بمنع تعليم البنات بالجامعة .
وإن كنتم أنتم على مقدار ما من التعقل لما كنتم مهللين مستحسنين طائعين لأي شخص انقطعت عنه المياه فلم يحلق لحيته منذ شهور .. آمين .. آمين يا شيخ المرسلين ولتصب لعنة السماء على كل من يعارضك .
هذا الخبال الذي أصاب الجميع لا علاج له .. تحاول ان تكسر أصنامهم التي عبدوها ولو بمجرد كاريكاتير تناقش فيه هذه الأزمة فتنصب عليك اللعنات من كل مكان وتنهال عليك التعليقات والتهديدات الغبية متناهية الغباء تقطر حقدا وغلا وجهلا وتخلفا .
رجال الدين بشر محدود الإدراك كغيره من البشر .. وُجب على غيرهم تقييمهم وتقويمهم ونقدهم .. حينما يتعلق الأمر بالإقتصاد يجب مناقشة الفتوى مع خبير اقتصادي أولا .. وحينما يتعلق الأمر بالطب وجب ماقشة الأمر مع طبيب .. حينما يتعلق الأمر بالفن فلا يجوز لك ان تفتي بأي كلام لا تفهمه بل إرجع إلى فنان أولا لتفهم عن ماذا تتحدث .. اما إدعاء العلم الكامل والحق الكامل في التدخل بكل أمور الناس من خلال الدين فهو مرفوض تماما .. التدخل الذي وصل إلى أن يأتي الشيخ ليعلمني كيف أنام مع زوجتي وكيف أغسل أسناني وكيف أقضى حاجتي وفقا لمزاجه هو الشخصي وليس من مجرد رؤية دينية ، وعليّ السمع والطاعة .. شكرا يا شيخ فلدي كل الكتب الدينية والعلمية التي تعلمني هذه الأشياء ولا حاجة لي بعلم فضيلتك .
من حقي أن أسمع الجميع .. وأناقش وأسأل وأقتنع وأفهم وأحلل وأدرك .. من حقي أن أسمع عمرو خالد ومصطفى حسني وأقرأ لمصطفى محمود وللشيخ الغزالي والإمام محمد عبده .. من حقي الاعتراض على التعصب والجهل .. من حقي معارضة مشايخ يتهمونني بالإثم والضلال لأنني فنان تشكيلي ويحرّضون الناس علي وعلى أهل الفن .. الأمور الدينية ترجع إلى اجتهاد الانسان نفسه وليس الانصياع .. ترجع إلى البحث والتنقيب .. التنقيب عن الفكرة وليس عن الآثار بالمناسبة .. أن تستمع إلى كل الآراء المتاحة وتحاول من خلالها أن تصل إلى قناعة شخصية تجاه الأمور التي تحيّرك .. لا أن تترك أذنك وعقلك لأي شخص بلحية ليملي عليك ما يجب أن تفعله وما يجب أن تتركه .
هذا رأيي ولن أتراجع عنه .. فاقتلوني أو اصمتوا
حكم الغناء والعياذو بالله